المقريزي
348
إمتاع الأسماع
والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما يقول هذا بشر . قال : وكذلك رواه معمر عن عباد بن منصور ، عن عكرمة مرسلا ، ورواه أيضا معتمر بن سليمان عن أبيه ، فذكره أتم من ذلك مرسلا ، وكل ذلك يؤكد بعضه بعضا . وله من حديث يونس بن بكير عن ابن إسحاق [ قال : حدثني محمد بن أبي محمد عن ابن عباس ] ( 1 ) ، أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم فقال : إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قول بعضكم بعضا . فقالوا : أنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأيا نقوم به ، فقال : بل أنتم ، فقولوا أسمع ، فقالوا : نقول كاهن ، فقال ما هو بكاهن ، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسحره ، فقالوا : نقول مجنون ، فقال : ما هو بمجنون ، ولقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا مخالجته ولا وسوسته ، قال : فنقول شاعر ، قال : ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ، ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ، قال : فنقول ساحر ، فما هو بساحر ، قد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثه ولا عقده ، قالوا : ما تقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله حلاوة ، إن أصله لمغدق ، وإن فرعه لجني ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول لأن تقولوا : ساحر ، فيقولوا : ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه ، وبين المرء وبين أخيه ، وبين المرء وبين [ زوجه ] ، وبين المرء وبين عشيرته ، فيتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم من أمره فأنزل الله تعالى في الوليد ابن المغيرة [ من ] قوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) إلى قوله : ( سأصليه سقر ) ، وأنزل الله في النفر الذين كانوا معه ويطيعون له القول في رسول الله فيما جاء به من هدي الله : ( الذين جعلوا القرآن عضين ) ، أي أصنافا ، ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) ، أولئك النفر الذين يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أتوا من
--> ( 1 ) زيادة للسياق من ( دلائل البيهقي ) : 2 / 198 - 199 ، باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز ، وأنه لا يشبه شيئا من لغاتهم ، مع كونهم من أهل اللغة وأرباب اللسان .